الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
106
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ولذا يصحّ الإخبار بأنّ فلانا يصلّي وإن لم يعلم صحّة فعله بل وإن علم فساده ولولا تبادر الأعم لكان ذلك كذبا ومنها عدم صحّة سلبها عن الفاسدة ولذا لا يصحّ الإخبار عن كان وضوؤه أو غسله أو عباداته فاسدة أنّه لا يتوضأ ولا يغتسل من الجنابة ولا يصلي ولا يصوم ولو أخبر كذلك من دون قيام قرينة على إرادة خلاف الظاهر كذبا بخلاف ما لو قيد بالصّحيحة والحاصل أنّ الفرق بين نفي المطلق ونفي المقيّد في العرف كما هو معلوم من ملاحظة دليل على عدم صحّة السّلب المطلق عن الفاسدة عندهم ومنها صحّة تقسيمها إلى الصّحيحة والفاسدة وهو ظاهر في كونها حقيقة في القسم ومنها أنّها تقيّد بالصّحة تارة والفساد أخرى والأصل فيما هو كذلك أن يكون حقيقة في القدر المشترك بين القيدين ومنها صحّة استثناء الفاسدة منها إذا دخل عليها أداة العموم كما في قولك كل صلاة يوجب التقرب إلى اللّه تعالى إلا الفاسدة وكل صلاة صلها فلان كانت مجزية إلا الصلاة الكذائيّة وهي دليل على اندراج المستثنى في المستثنى منه إذ الأصل فيه الاتّصال ومنها حسن الاستفهام فيما لو أخبر أحد لوقوع شيء من تلك العبادات أو حكم عليها بشيء أنها هل كانت صحيحة أو فاسدة والأصل في ذلك كون المستفهم عنه مشتركا لفظيا بين الأمرين أو معنويا وحيث إن الأول منفي في المقام بالإجماع فتعيّن الثّاني ومنها أنها تطلق على الصّحيحة تارة وعلى الفاسدة أخرى والأصل فيما هو كذلك هو أن يكون كذلك حقيقة في القدر المشترك بين الأمرين حذرا من الاشتراك والمجاز والجواب أمّا عن الأوّل فبمنع التّبادر بل الأمر فيه بالعكس إذ ليس التّبادر إلاّ الصّحيحة حتى إنّه اعترف به القائل بوضعها للأعم إلا أنه ادعى كونها إطلاقيّا وما ذكر من المثال فمحمول على الوجه المتقدم من جهة استنادها إلى معين لما عرفت من كون ذلك قرينة على إطلاق المفهوم على ما هو مصداق له عند العامل لما في تعيين مصداق تلك المفاهيم من الاختلاف في الأداء والآراء وكل عامل فإنّما يأتي بها على حسب ما يعتقده فيها أو جرى عمله عليها فإذا أسند ذلك إليه قضى ذلك بأدائها على حسب ما عنده والمتبادر منه حينئذ هو الصّحيحة بزعم العامل كما هو ظاهر من ملاحظة العرف ولولا ما قلنا من كون المتبادر هو الصّحيح وكون الانصراف هنا من الجهة المذكورة لما كان فرق بين الأمرين بل كان الصّحيح بزعمه الفاسد في الواقع كالفاسد بزعمه أيضا من غير فرق في الانصراف مع وضوح الفرق وهو شاهد على ما ذكرناه ويومي لما قلناه إنه يقال إنّ المخالفين يأتون بالعبادات ويؤدون الواجبات ويواظبون على السّنن مع أنّ العبادة الواجبة والسّنة ليست إلا الصّحيحة فقد أطلق المذكورات على خصوص ما يعتقدونه كذلك فاللفظ في تلك الإطلاقات قد استعمل في معناه الموضوع له أعني العبادة المخصوصة الصّحيحة وإنما أطلقت على المصداق المخصوص تبعا لاعتقاد عاملها كونه مصداقا لها وذلك لا يقضي بتجوز في المقام كما لا تجوز فيما استعمل اللّفظ في غير الموضوع له عنده تبعا للوضع الثابت في عرف آخر غاية الأمر أنّ فيه مخالفة للظاهر وتكفي النّسبة المذكورة شاهدة عليه حسبما عرفت ومما يشهد على ما ذكرنا أنّه يصح سلب صلاة الحقيقيّة عن تلك الأعمال الفاسدة وأن يقال إنّها ليست بصلاة أتى بها الشّرع وليست من الماهيّة المجعولة في الشريعة ومن البيّن أنّ القائل بالوضع للأعم لا يقول بكون الأعم هي الصلاة المجعولة المقررة من الشرع ويقول بكون المستعمل فيه لفظ الصلاة الموضوع بإزائه لفظها هو ذلك لنصّه على كون المعنى الشّرعي قابلا للصّحة والفساد وكون المقرر من الشّرع قدرا جامعا بين القسمين وإن لم يقل بكونها مطلوبة كذلك ومن غريب الكلام ما وجدته في كلام بعض الأعلام حيث إنه بعد ما نفي الرّيب عن كون الماهيّة المحدثة أمورا مخترعة من الشّرع قال ولا شكّ أنّ ما أحدثه الشارع متصفة بالصّحّة لا غير بمعنى أنّه بحيث لو أتي بها على ما اخترعه يكون موجبا لامتثال الأمر بالماهيّة من حيث إنّه أمر بالماهيّة ونصّ أيضا على أنّه إذا وضع الشّارع اسما لهذه المركّبات أو استعمله فيها لمناسبة فهو يريد تلك الماهيّة على وجه الصحيح بالمعنى المذكور وبعد ذلك كله ذهب إلى كونها أسامي للأعم فيكون الموضوع له والمستعمل فيه هو الأعم وهل هذا الاندفاع بين وتناقض ظاهر وقد ظهر مما ذكرنا في الجواب عما ذكر في الوجه الثاني ووجه الفرق بين نفي المطلق والمقيّد بالصّحيحة ظاهر ممّا قررناه إذ التصريح بالصّحّة في المقام مع دلالة اللفظ على اعتبار الصحة في الجملة ظاهر في اعتبار الصّحّة الواقعيّة كما لا يخفى ذلك بعد التّأمّل في العرف وأمّا الثالث ففيه أن التقسيم المذكور إنما يفيد كون المقسم مستعملا في خصوص الأعم ومجرّد الاستعمال أعم من الحقيقة للاستعمال في خصوص الصّحيحة قطعا ودعوى كون التقسيم ظاهرا في كون المقسم حقيقة في الأعم محل منع سيما إذا اشتهر استعماله في خصوص أحد القسمين وكذا الحال فيما ذكر من التقييد وصحّة الاستثناء ولا يلزم كون الاستثناء منقطعا إن قلنا بكونها موضوعة للصّحيحة لتسليم دلالته على استعمال المستثنى منه في الأعم إلا أن مجرّد الاستعمال غير كاف في المقام وكذا الكلام في دعوى كونها حقيقة في القدر المشترك من جهة إطلاقها على كلّ من القسمين وحسن الاستفهام فيه إنما يتبع حصول الاحتمال ويختلف الحال فيه بحسب قرب الاحتمال وبعده ولا دلالة فيه على كون المستفهم عنه مشتركا لفظيّا أو معنويا أصلا وقد عرفت الحال في ذلك كله فيما قدّمناه في بيان أمارات الحقيقة على أنّه لو سلّم دلالة تلك الأمارات على الحقيقة بنفسها ظهور ما في ذلك ولا يعادل ذلك ما قدّمناه من الشّواهد على كونها للصّحيحة ثانيها أنّه قد شاع استعمال تلك الألفاظ في مواضع عديدة للأعم من الفاسدة يستفاد منها وضعها بإزاء للأعمّ من الصّحيحة ويبعد التزام التجوّز في تلك الاستعمالات الشائعة منها أنّه قد شاع في الأخبار بل جاوز حدّ التّواتر بمراد الأمر بإعادة الصلاة وغيرها